ابن قيم الجوزية

648

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

ذلك . فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن اللّه يراه ، ويعلم كيده وشره . فأخبر اللّه تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته ، أي مجيب ؛ عليم بكيد عدوه ، يراه ويبصره ، لينبسط أمل المستعيذ ، ويقبل بقلبه على الدعاء . وتأمل حكمة القرآن ، كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ « السميع العليم » في الأعراف وحم السجدة . وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ « السميع البصير » في سورة حم المؤمن . فقال : 40 : 56 إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ ، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ ، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر . وأما نزغ الشيطان فوساوس ، وخطرات يلقيها في القلب ، يتعلق بها العلم . فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها . وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ، ويدرك بالرؤية . واللّه أعلم . السبب الثاني : تقوى اللّه ، وحفظه عند أمره ونهيه . فمن اتقى الله تولّى اللّه حفظه ، ولم يكله إلى غيره . قال تعالى : 3 : 121 وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه بن عباس « احفظ الله يحفظك ، احفظ اللّه تجده تجاهك » فمن حفظ اللّه حفظه اللّه ، ووجده أمامه أينما توجه . ومن كان اللّه حافظه وأمامه فممن يخاف ؟ ومن يحذر ؟ . السبب الثالث : الصبر على عدوه ، وأن لا يقاتله ولا يشكوه ، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلا . فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه ، والتوكل على اللّه ولا يستطل تأخيره وبغيه . فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جندا وقوة للمبغى عليه المحسود ، يقاتل به الباغي نفسه . وهو لا يشعر . فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه . ولو رأى المبغى عليه ذلك لسرّه بغيه عليه . ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي ، دون آخره ومآله . وقد قال تعالى : 22 : 60 وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ